نخبة من الأكاديميين
38
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
تمهيداً لإعادة توحيد المجتمع المنقسم في ذلك الحين . فقد ضاق الملك بالنفوذ الطاغي للطبقة السياسية والدينية ( المرازبة والموابذة ) ، ووجد فرصة للتخلّص منها ، في تشجيع الحركة المزدكية التي حظيت بتأييد واسع من الشعب الذي استهوته أفكارها الداعية إلى المساواة والعدل الاجتماعي « 1 » . وفي ضوء ذلك شنّ قباد ، مستعيناً بالأمير اللخمي ( النعمان الثاني ) ، حملة على أرضروم ( 502 ) ، واستولى عليها ، ولم يحلْ دون توغّله بعيداً في مناطق النفوذ البيزنطي ، سوى تدخّل الهون ( القوقاز ) لمصلحة أعدائه ، الأمر الذي حمل الإمبراطور « انستاسيوس » ، مستغلًا ارتباك الملك الفارسي ، على مفاجأة الأخير بحملة توغّلت حتى نصيبين ، وأرغمت الملك على طلب الصلح والعودة إلى المدائن « 2 » . ولكن الحرب الفارسية البيزنطية ، استؤنفت بوتيرة أكثر سخونة ، بعد تولي جستنيان عرش القسطنطينية ، وكان يُعد من أعظم أباطرة الأخيرة ، لما حقّقه من منجزات إصلاحية مهمة في الداخل ، ولاقتران اسمه بمحاولة إحياء الإمبراطورية الرومانية « 3 » . ولذلك بدا الصدام أمراً واقعاً ، من هذا المنطلق مع الفرس ، وسرعان ما اندلعت الحرب التي أثار شرارتها ، المنذر اللخمي ، بهجومه على « قنسرين » وإنطاكية ، قبل عودته إلى عاصمته الحيرة « 4 » ( 531 م ) بيد أن هذه الحركة التي ربما اندرجت في إطار الحرب الوقائية ضد البيزنطيين ، أدت إلى اشتعال الجبهة على نطاق واسع ، إذ قام القائد البيزنطي الشهير بلزاريوس ، بالرّد على حملة ثانية للمنذر اللخمي ، معززة بالدعم الفارسي ، ودحرها عند الفرات ، وقد أدّت وفاة الملك قباد حينذاك ( 532 م ) ، إلى ركود الحرب وقتاً ما ، إذ إن خليفة خسرو الأول ، المعروف ب - « أنوشروان » - أي الروح الخالدة ، متخذاً لقب « كسرى » الذي حمله بعد ذلك ملوك الفرس بادر إلى عقد صلح مع الإمبراطور البيزنطي ، الذي كان هذا من جانبه بحاجة إليه ، للتفرّغ إلى مشروعه التوسعي في أوروبا وإفريقية ، الذي عهد به إلى القائد بلزاريوس نفسه . وأبدى جستنيان حينذاك اهتماماً بحلفائه الغساسنة في الشام ، فخلع على أميرهم الحارث بن جبلة لقباً ملكياً ، في مبادرة لتشجيعه على التصدي للمناذرة اللخميين حلفاء الفرس « 5 » . وكان أنوشروان قد أفاد من الصلح المعقود مع جستنيان ، وذلك بإعادة ترتيب الوضع الداخلي في دولته ، بعد قضائه على « المزدكيين » ، مستميلًا إليه الطبقة النافذة في المجتمع ، والتي أسهمت بدور كبير في تشويه فكرهم وتأليب الناس عليهم « 6 » . ولم ينسَ في غمرة هذه التطورات ، الصلح الذي وجد نفسه مرغماً على توقيعه مع البيزنطيين ، فما كان يطمئن إلى وحدة جبهته الداخلية ، حتى فاجأ أعداءه ، بحملة كبيرة على سورية ، كان الطابع الانتقامي واضحاً فيها ، حين أباح لجنوده نهب الثغور ، وتدميرها ، متوّجاً مسيرته باحتلال أنطاكية وحرقها « 7 » . ولم يتوقف أنوشروان إلا بعد طلب الإمبراطور الصلح ، فتم ذلك وفاقاً لمعاهدة قضت بإرغام الأخير على الالتزام بضريبة سنوية عالية « 8 » . وقد فرض هذا النصر حالة من التوازن في الصراع الفارسي البيزنطي ، لا سيما وأن جستنيان كان يعطي الأولوية في سياسته للجبهة الغربية . مما أبقى معاهدة الصلح سارية خلال السنوات العشر التالية . بيد أن الإمبراطور الجديد ( جستنيان الثاني ) انقلب على المعاهدة محرِّضاً أرمينية على الثورة ضد
--> ( 1 ) أسد رستم ، الروم ج . 1 ص 36 . ( 2 ) المرجع نفسه ج . 1 ص . 137 . ( 3 ) المرجع نفسه ج . 1 ص . 185 . ( 4 ) رستم ، المرجع السابق ج . 1 ص . 186 . ( 5 ) نولدكه ، أمراء غسان ص . 11 . ( 6 ) الثعالبي ، غرر أخبار ملوك الفرس ص . 605 . ( 7 ) رستم ، المرجع السابق ج . 1 ص . 189 . ( 8 ) المكان نفسه .